مخيمات تعج بالجرذان وجروح لا تلتئم: هكذا صارت الأوضاع في غزة

رسيل مستلقية على وسادة بنية اللون. يمكنك رؤية القنية الموصولة بكتفها والجروح التي تلتئم على حاجبيها وفوق شفتها.
التعليق على الصورة، تعاني الطفلة رسيل، البالغة من العمر ست سنوات، من إصابات عديدة، بما في ذلك كسر في الساق، وشظية في الدماغ، وجروح في الجلد لا تستجيب للمضادات الحيوية
    • Author, بول كوسياك، وسام أبو مرق، ولينا شيخوني
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

في قسم الحجر الصحي داخل مستشفى ناصر في غزة تستلقي رسيل ابنة السنوات الست فوق سريرها وهي تبكي.

تعاني رسيل آلاماً متواصلة.

ساقها اليمنى مكسورة في أكثر من موضع، وجروحها ملتهبة في كل من ساقَيها وفي يدِها، بينما تستقر شظيّة في دماغها.

تحتاج إلى جراحة عاجلة لترقيع الجلد.

لكن، قبل أن يتمّ لها ذلك يجب أن تتماثل جروحها للشفاء، بَيد أنها لا تستجيب للمضادات الحيوية المتاحة داخل قطاع غزة.

وهذا يعني أن الخيار الوحيد أمام الأطباء فتْحُ الجروح باستمرار لتنظيفها، وهو ما قاموا به أكثر من عشرين مرّة حتى الآن.

بجانب سريرها ينحني والد رسيل، محمود البلعاوي، لتقبيلها.

يبادرها بالقول: "لا تبكي"، وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

أهمل YouTube مشاركة
هل تسمح بعرض المحتوى من Google YouTube؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية المحتوى في موقع YouTube قد يتضمن إعلانات

نهاية YouTube مشاركة

مسبِبات الأمراض مقاوِمة للعقاقير

يظهر الطبيب عوني الجعفراوي في الصورة مرتدياً رداءً طبياً أزرق اللون في جناح بالمستشفى، وخلفه امرأة ترتدي الحجاب.
التعليق على الصورة، يقول طبيب رسيل، عوني الجعفراوي، من منظمة أطباء بلا حدود الخيرية، إنه يشهد معدلات عالية من العدوى المقاوِمة للمضادات الحيوية في مستشفيات غزة
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

كانت رسيل تغط في النوم وسط أفراد أسرتها في مخيم المواصي للنازحين الفلسطينيين بالقرب من خان يونس - عندما قصفت خيمتَها هليكوبتر إسرائيليّة في الثلاثين من يوليو/تمّوز بحسب شهود عِيان.

شقيقتها رتيل ذات السنوات التسع وابنة عمّها البالغة عشرين عاماً قُتِلتا في الغارة. أمّا والدة رسيل وشقيقها فأصيبا بجروح. يقول الجيش الإسرائيلي إنه لا يملك معلومات بشأن قصف المكان وتوقيت تعرُّض أسرة رسيل للهجوم.

مضى على وجود رسيل في المستشفى شهران، إلا أن جروحها مصابة ببكتيريا مقاوِمة لعقاقير متعددة، وفق ما يقوله الدكتور عَوني الجعفراوي، الطبيب في منظمة أطباء بلا حدود الخيرية، وهو الذي يعالج رسيل.

مقاوَمة مضادات الميكروبات تظهر عندما تتغير البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات باستمرار مع الوقت، ولا تعود تستجيب للمضادات الحيوية المصمَّمة للقضاء على جميعها.

تعتبر هذه الظاهرة في طليعة المخاطر التي تهدد الشعوب على مستوى العالم وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

الالتهابات المقاوِمة للمضادات الحيوية غالباً ما يكون علاجها صعباً ومُكلِفاً، ويمكن أن تؤدي إلى أمراض خطيرة، وربما التقيُّح، وحتى الموت.

"يجب أن تبقى الفتاة في المستشفى مدّةً أطول، لكنها بذلك ستكون عرضةً لالتقاط عدوى الالتهابات التي تؤخّر رحلة الشفاء"، يقول الدكتور الجعفراوي.

إصابات رسيل ليست الوحيدة التي تأبى الاستجابة للمضادات الحيوية.

يقول الدكتور الجعفراوي إنه يلاحظ ارتفاعاً في نِسَب حالات الالتهاب المقاوِمة للمضادات الحيوية في مستشفيات غزة.

ويضيف: "مع وجود حالات عديدة، نحاول عزلهم وحجْرهم صحياً لأن البكتيريا التي يحملونها قد يمتد أثرها في المكان لأجَلٍ طويل، لذلك يتطلب الأمر إجراءات خاصة".

يمكن رؤية الحشرات على سطح المياه الملوثة. كما يمكن رؤية بقايا الطعام المتعفنة وغيرها من النفايات في الماء.
التعليق على الصورة، يقول خبراء، في دراسة جديدة بشأن مقاومة مضادات الميكروبات في غزة، إن الوضع في القطاع يخلق ظروفاً مثالية لانتقال العدوى

ما يراه الدكتور الجعفراوي في المستشفيات تؤكده دراسة جديدة اطّلعت عليها بي بي سي، وتفيد بتفشّي حالات البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية الأساسية في غزة.

يقول الباحثون إن الدراسة أجريت على مدى عشر سنوات، بين عامَي 2015 و 2025، واستندت إلى أكثر من ثمانين ألف عيّنة بكتيريّة جُمِعت من أحد عشر مستشفى، وهي أكبر دراسة لهذه الظاهرة في غزة.

الدراسةُ التي أجراها باحثون غزّيّون، وتحظى بدعم مجموعة واسعة من باحثين آخرين في "مبادرة فلِمينغ" و"الكلية الملكية" في لندن، و"الجامعة الأمريكية" في بيروت - لم تتمّ مراجعتُها بعدُ مِن قِبل أقرانٍ في الاختصاص، لذا فإن نتائجَها تبقى أوّلية.

يقول الباحثون إن الوضع في غزة يوفّر الظروف المثالية لانتقال العدوى.

"خلال النزاعات يكثر الدمار في شبكات المياه والصرف الصحي، وكلّها خدمات مهمّة بالنسبة للسكان لتجنُّب نقل تلك البكتيريا المقاوِمة"، كما تقول الدكتورة عُلا عبّارة من مبادرة فلمينغ والكلية الملكية في لندن.

وتضيف: "تأثير ذلك على المرضى بالغ. فعلى سبيل المثال، الحالات التي يسهل علاجها؛ يمكن أن تتفاقم بعد ذلك لتصبح مستعصية. وفي الأوضاع الخطِرة يمكن أن يؤدي الأمر إلى التقيُّح، وحتى الوفاة".

بالنسبة إلى الجرحى في غزة، قد ينتج عن ذلك المزيد من حالات البتر عندما تنتشر الالتهابات وتصل إلى العظام.

"على مدى السنوات القادمة سوف نرى أعداد حالات البتر تزداد يومياً، حتى بعد أن تتوقف الحرب"، يقول الدكتور الجعفراوي، مضيفاً أنه ما زال يرى جرحى مصابين بهجمات إسرائيلية أسبوعياً، على الرغم من اتفاقٍ لوقف إطلاق النار سعت إليه الولايات المتحدة وأُقِرّ في أكتوبر/تشرين الأوّل من العام الفائت مِن قِبل كل من إسرائيل وحركة حماس.

تقول وزارة الصحة في غزة التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامَها موثوقة إن 1421 فلسطينياً قُتلوا منذ بدء الهدنة في أكتوبر/تشرين الأوّل 2025

يشكّك الجيش الإسرائيلي في الأرقام التي تُصدِرها وزارة الصحة. ويقول لبي بي سي "إنه يأسف لأي أذى لحق بمدنيين، ويسعى للتقليل منه إلى أقصى حدود ممكنة".

واندلعت حرب غزة إثر الهجوم الذي قادته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسفر عن مقتل نحو 1,200 شخص واحتجاز 251 شخصاً كرهائن. ومنذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية بعد ذلك، قُتل أكثر من 74 ألف فلسطيني في القطاع، بحسب وزارة الصحة.

الناس يتدافعون عند صفوف المياه

يحمل سالم دلوين من الماء عبر مخيم وهو يرتدي قميصاً أزرق وأبيض وبنطالاً رياضياً.
التعليق على الصورة، سالم من بين سكان غزة الذين يكافحون للحصول على كمية كافية من المياه يومياً، وإصابة ظهره تجعل من الصعب عليه حمل دلاء الماء

من العناصر الرئيسية المساهمة في انتشار العدوى؛ صعوبة الحصول على المياه النظيفة بشكل منتظم وتضرر منظومة الصرف الصحي.

وفقًا للأمم المتحدة، دمّرت إسرائيل أو ألحقت الضرر بما يقارب تسعين في المئة من البنية التحتية لتوزيع المياه وشبكة الصرف الصحي في غزة، بما في ذلك منشآت التحلية والمواسير وأنظمة الصرف الصحي.

ويفيد تقرير للأمم المتحدة صدر في يوليو/تمّوز بأن أكثر من ثمانين في المئة من الأسَر في غزة لا يحصلون على المياه بشكل منتظم، وأن ما يدنو من سبعين في المئة من أُسَر القطاع ليس باستطاعتهم الحصول على الحد الأدنى من كميات المياه الضرورية، وهو ستة ليترات للشخص الواحد في اليوم للشرب والطهي، وذلك بحسب ما توصي به الأمم المتحدة.

غير أن "وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق"، والتي تُشرِف على حدود قطاع غزة، تشكّك في ذلك وتقول لبي بي سي إن كمية المياه التي تزوَّد بها غزة تفوق عتبة المساعدات الإنسانية التي حدّدتها الأمم المتحدة.

بعض صنابير المياه صامدة، ولكن غالبية الغزيّين يعتمدون على مواقع توزيع للحصول على المياه التي يُنقَل بعضها بواسطة صهاريج.

سالم أبو نحلة، اثنان وأربعون عاماً، واحد من بين أولئك الذين يعانون يومياً في الحصول على ما يكفي حاجته من المياه.

كان يملك متجراً كبيراً وملحمة، ولكن منزله دُمّر في القصف. نزح مع زوجته وأولاده الثلاثة ست مرّات إلى الآن، وهو يقيم حالياً في مخيم المواصي.

يتوجّب على سالم أن يمشي مسافة كيلومتر لجلب المياه، وهي مسألة يجدها صعبة بعد الإصابة التي تعرّض لها في ظهره بسبب حادث شاحنة مساعدات إنسانيّة.

يقول (سالم) إنه يشاهد المشاحنات والتدافع بالأيدي عند مواقع توزيع المياه، حيث يصطف الناس وينتظرون وصول صهريج الماء.

يتصادف أحياناً أن الصهريج لا يأتي.

في المخيم، يسكب الماء في وعاء لزوجته حتى تغسل أطباق الطعام.

ينهرها: "هذا يكفي. ليس لدينا ما يكفي من الماء. قد لا نحصل على أية كميّة اليوم، وربما توجّب علينا حمل الماء مجدّداً".

آفة القوارض

يجلس باسل على كرسي متحرك داخل خيمة بجوار ابنته رنا
التعليق على الصورة، أُجبر باسل، الذي يظهر في الصورة مع ابنته رنا، على الخضوع لعملية بتر ساقه اليمنى

إضافة إلى الأضرار التي لحقت بأنظمة الصرف الصحي ونقص المياه العذبة، يكاد جمع القمامة يكون شبهَ متوقف.

نتيجة لذلك تتكوّم القمامة والفضلات البشريّة ومستنقعات المياه الملوّثة بالقرب من مدن الخيام المكتظة التي يقطنها الغزيّون النازحون من منازلهم.

تحوّلت تلك الخيام إلى أماكن موبوءة بالقوارض.

أحياناً يمكن مشاهدة أعداد هائلة من تلك الكائنات تتراكض بين الخيام أو حتى داخلها حيث يعيش النازحون.

في استقصاءٍ أجرته مجموعة إدارة المواقع التي تشرف على عدد من المخيّمات في غزّة، صدر في شهر أبريل/نيسان، واطّلعت عليه وكالات الأمم المتحدة، وردَ أنه يمكن مشاهدة القوارض تجول في 81 في المئة من المواقع حيث تعيش العائلات النازحة، وهي تؤثّر في حياة حوالي مليون و450 ألف شخص.

حالات عديدة وُثّقت أقدمت فيها القوارض على قضم أطراف أشخاص أثناء نومهم، ما قد يتسبّب في التهابات وإصابات خطيرة.

أُخضِع باسل الدحنون لعملية بتر لساقه اليمنى، دون الركبة، بعدما هاجمه ابن عرس ليلاً خلال نومه.

استيقظت ابنتُه رنا ذاتُ الأربعة عشر ربيعاً لتجد الدماء تصبغ الأردية والبُسُط التي كانوا مستلقين عليها، وكانت إصابة والدها بالغة.

نقلت الفتاة والدَها إلى المستشفى، ولكن بسبب النقص الحاد في المستلزمات الطبية، لم يتمكن الأطباء من إسعافه أو حتى تضميد جرحه في الحال. أبلغت وكالات إنسانية وكوادر طبية في مختلف أنحاء غزة بي بي سي بوجود نقص كبير في الأدوية والمعدات الأساسية.

انتهى الأمر بالأطباء إلى بتر ساق باسل إلى ما دون الركبة. وتتمنى رنا أن يتمكّن والدُها، وقد تجاوز الستين، من متابعة حياته رغم المشكلات الصحية الأخرى التي يعانيها، وتقول: "آمُل أن يتعافى، إن شاء الله".

تقول هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية "كوغات" إنها تسمح بدخول الأدوية إلى قطاع غزة من دون قيود، بما في ذلك المضادات الحيوية.

المسألة أن حياة إنسان تبدّلت بشكل جذري

ينحني محمود، والد رسيل، ليقبل ابنته المصابة على سريرها في المستشفى. يرتدي رداء طبياً أصفر وقفازات جراحية زرقاء. ورسيل تضع ضمادات على وجهها وذراعيها.
التعليق على الصورة، قال والد رسيل إنه يخشى أن تموت ابنته إذا بقيت في غزة

في مستشفى ناصر، تدهورت الحالة الطبية لرسيل بسبب عدد من التحديات، ليس أقلّها الالتهابات وحاجتها إلى عمليات ترقيع الجلد.

يقول الأطبّاء إنهم لا يستطيعون في الوضع الراهن أن يستأصلوا الشظيّة بأمان من دماغها. لا تقوى رسيل على المشي وهي تصاب بتشنّجات بين الفينة والأخرى.

المسألة ليست مقتصرة على ذلك، فهنالك العديد من الأطفال مثل رسيل يحاولون التأقلم مع حياة انقلبت رأساً على عقب بعد فقدان أحبائهم.

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن جميع أطفال غزّة تقريباً يحتاجون إلى عناية صحية عقلية ودعمٍ نفسي.

"المسألة ليست مجرّد أن طفلاً أصيب، بل القصة بأكملها أن حياةَ ذلك الشخص تغيّرت"، يقول الدكتور الجعفراوي.

بالنسبة إلى والد رسيل ما من شيء يزيد أهمية عن بقاء ابنته على قيد الحياة.

فهو يرغب بشِدّة في أن تتلقّى علاجاً طبياً خارج قطاع غزة المدمَّرة منشآته الاستشفائية والمتهالكة، ويقول: "أخشى على ابنتي إنْ بقيت هنا في غزة. قد تموت".

أجازت الجهات الفلسطينية تحويل طلب رسيل لتلقي العلاج خارج غزّة، لكنّها تنتظر إذناً من السلطات الأمنية الإسرائيلية. وتقول أسرتها إن ذلك قد يستغرق وقتاً ربما يصل إلى سنة.

ما يقرب من 5600 طفل ينتظرون موافقة السطات الإسرائيلية على طلبات علاجهم خارج القطاع، وذلك بحسب وزارة الصحة هناك.

ويتطلب العلاج الطبي خارج قطاع غزة إحالةً مِن وزارة الصحة، وقبولاً من الدولة المضيفة، والحصول على تصريح أمني إسرائيلي.

لكنْ ثمةَ خبرٌ سارٌّ لرسيل. فبعد انتظار دام أسابيع للحصول على موافقة السلطات الإسرائيلية، مُنحت رسيل ووالدها لاحقاً الإذن بالسفر إلى مصر في أواخر سبتمبر/أيلول، بدعم من منظمة الصحة العالمية، لتلقي العلاج الطبي العاجل هناك.

يقول والدها إنها نُقلت إلى مستشفى خارج القاهرة، إلا أنها تنتظر نقلها إلى مستشفى آخر في العاصمة المصرية يتمتع بإمكانات وتجهيزات أفضل. ويأمل والدها أن تتمكن رسيل الآن من الحصول على العلاج الذي تحتاج إليه.

خلال فترة إقامتها في مستشفى ناصر، أحضرت لها عائلتها دمية، فأطلقت عليها رسيل اسم "رتيل"، شقيقتها الراحلة.