بين مناطق السيطرة وخطوط النار، قصص سودانيات أطاحت الحرب بزواجهن

    • Author, مروة جمال
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 4 دقائق

"لقد أضحت الحرب سبباً مباشراً لطلاقي من والد أبنائي".

هكذا بدأت زوجة سودانية طلبت عدم ذكر اسمها حديثها إلينا، لتشرح الآثار التدميرية للحرب الدائرة في السودان والتي لم تتوقف عند حدود الجبهات وميادين القتال؛ بل امتدت لتشطر الروابط الأسرية نتيجة تمزق الولاءات بين طرفي النزاع داخل البيت الواحد.

وتحول الصراع المسلح بين الطرفين إلى سبب مباشر لانهيار آلاف الزيجات، لتبلغ القسوة أوجها في أروقة المحاكم التي باتت تفصل في قضايا الطلاق وتنهي العقود دون حضور أصحابها.

35 ألف حالة طلاق

تعدّ هذه المواطنة السودانية واحدة من بين 35 ألف حالة طلاق أُعلن عن تسجيلها منذ اندلاع الحرب في البلاد، وفقاً لبيانات السلطة القضائية التي وصفت هذا الرقم بـ"الزلزال الاجتماعي غير المسبوق".

وتتلخص تفاصيل مأساتها، حسب تصريحاتها، في كونها زوجة لعسكري في الجيش من العاصمة الخرطوم، وعقب اندلاع المواجهات، احتجز زوجها في مقر القيادة العامة هناك، وانقطعت أخباره لأكثر من عام كامل.

ومع طول فترة الغياب وانعدام الموارد المادية لتأمين مصاريف المعيشة، قررت الزوجة الانتقال بأطفالها للعيش مع عائلتها، وبعد فترة طويلة، عادت الاتصالات وعلمت أنه ما زال قيد الحياة، ليطالبها بالعودة فوراً إلى الخرطوم.

غير أن الزوجة رفضت العودة واستقرت مع أطفالها لدى أهلها، ليصطدم الطرفان بعائق جغرافي وأمني معقد؛ إذ كان الزوج يتواجد في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، بينما تقيم الزوجة والأبناء في مناطق تحت سيطرة قوات الدعم السريع، وأمام هذا الواقع، خيرها الزوج بين العودة إلى الخرطوم أو انفصالهما، ومع تمسكها بموقفها، أُوقع الطلاق رسمياً.

المعاناة على الضفة الأخرى

وإذا كانت هذه حكاية زوجة لضابط في الجيش السوداني، فإن الصورة لا تختلف كثيراً على الضفة الأخرى؛ حيث واجهت زوجة أحد عناصر قوات الدعم السريع - التي فضلت هي الأخرى الحفاظ على سرية اسمها - المصير ذاته.

وتسرد الزوجة معاناتها قائلة إنها أم لثلاثة أطفال، وكانت تتنقل مع زوجها من منطقة إلى أخرى بحكم انتمائه لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن الظروف المعيشية كانت في غاية القسوة والتعقيد بالنسبة للأطفال، لا سيما مع الابتعاد عن عائلتها في الخرطوم.

وتضيف أنها حاولت مراراً إقناعه بضرورة العودة إلى أسرته، غير أنه كان يرفض ذلك باستمرار، ومع تزايد الخلافات وتعرضها وزوجها وأطفالها للضرب والمضايقات، اتخذت قرارها بالفرار رفقة أطفالها، بما عليهم من ملابس فقط.

وتصف تلك اللحظات بالهروب من أتون حرب حقيقية، حتى وصلت إلى بيت أهلها، لتصبح هي المعيل الوحيد لأطفالها وتتولى كافة مسؤولياتهم بمفردها.

الطلاق الغيابي والإجراءات القانونية

وحول الأبعاد القانونية لهذه الظاهرة، يوضح المحامي حيدر زكي كيف شق الانقسام بين الجيش والدعم السريع طريقه إلى عمق البيوت السودانية لينهي الزيجات ويشتت الأسر.

ويشرح زكي الإجراءات المعمول بها قائلاً إن أي زوجة تطلب الطلاق بدعوى أن زوجها يتبع لقوات الدعم السريع وترفع دعواها في مناطق سيطرة الجيش، يتعذر إعلان الزوج بالدعوى نظراً لوجوده في مناطق خاضعة لسيطرة الطرف الآخر.

وفي هذه الحالة، يتم الإعلان عبر الصحف الرسمية، وهو إجراء لا يستطيع الزوج الاطلاع عليه في الغالب، لاسيما في المناطق الريفية والخلوية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

ووفقاً للمحامي، تبدأ المحكمة بسماع شهادتي الزوجة والشاهد غيابياً وتصدر حكمها بالطلاق، وفي حال انقضاء فترة ستين يوماً دون تقديم معارضة، يصبح الحكم نهائياً وتستخرج الزوجة وثيقة الطلاق التي تمكنها من الزواج مجدداً، في حين يظل الزوج غافلاً تماماً عما جرى.

ويؤدي ذلك لاحقاً إلى نزاعات قانونية معقدة في حال حضور الزوج وتقديمه طلباً لإعادة النظر بدعوى عدم علمه بالإعلان الصحفي.

ويؤكد زكي أن الإجراءات ذاتها والمحاكم تنعقد بصورة مماثلة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، إلى درجة أن بعض الزوجات يحصلن على حكم بالطلاق ويتزوجن من رجل آخر دون معرفة الزوج الأول.

تشتت أسري حتى إشعار آخر

وهكذا باتت قضايا الطلاق في السودان تُحسم غيابياً؛ إذ يمنع الخوف من الملاحقة الأمنية الأزواج الموالين لأي من طرفي النزاع من الحضور أمام المحاكم الواقعة في مناطق سيطرة الطرف الآخر.

وليصدر القضاة أحكامهم في غيبة الأزواج، تُطوى الصفحات قانونياً، بينما تظل الأسر مشتتة إلى أجل غير مسمى.