ماذا تكشف أشهر تجربة عن الطاعة العمياء؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, صوفي هارداش
- Role, بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 10 دقائق
تكشف الطريقة الحديثة لإعادة "تجربة ميلغرام"، إحدى أبرز تجارب علم النفس الاجتماعي إثارة في التاريخ، عن العوامل التي تجعل الأشخاص العاديين يمتثلون لتنفيذ أوامر تنافي القيم الأخلاقية، كما تكشف عن طرق مقاومة ذلك.
نُشر إعلان في صحيفة "نيو هيفن ريجستر" الصادرة في ولاية كونيتيكت الأمريكية، في يونيو/حزيران عام 1961، يدعو أشخاصاً إلى المشاركة في تجربة تبدو بريئة في جامعة ييل، وجاء في الإعلان "سندفع لكم 4 دولارات مقابل ساعة واحدة من وقتكم، نحتاج إلى أشخاص للمشاركة في دراسة عن الذاكرة".
وأوضح الإعلان أن المطلوبين هم عمال المصانع والحلاقين ورجال الأعمال ومجموعة كبيرة من أصحاب المهن الأخرى، ولم يكن مطلوباً توافر أي تعليم أو خبرة خاصة، وكان على الراغبين في المشاركة إرسال بياناتهم بالبريد إلى ستانلي ميلغرام، الأستاذ في قسم علم النفس بجامعة ييل.
شارك 40 رجلاً في في التجربة الأولية لتلك الدراسة البحثية، ودخلوا مختبراً، وطُلب منهم، بحجة مهمة لتعلّم الكلمات، إحداث صدمات كهربائية لشخص غريب، قد تبلغ شدتها مستوى يُحتمل أن يؤدي إلى الوفاة.
وانتهى الأمر بموافقة أغلبية المشاركين، 26 رجلاً من أصل 40، أي بنسبة 65 في المئة، على إحداث تلك الصدمة القصوى القاتلة، وفي دراسات لاحقة أُجريت بمشاركة متطوعين آخرين، وافق معظم المشاركين على إحداث الصدمة القصوى، حتى عندما قيل لهم، على سبيل الحيلة، إن الشخص المتلقي لها مصاب بمرض في القلب، أو عندما كان يُسمع وهو يتوسل لإطلاق سراحه.
لم يكن المشاركون يعلمون أن الصدمات الكهربائية كانت زائفة في الحقيقة، وأن التجربة بأكملها كانت مصطنعة، ولم تكن الدراسة تتناول الذاكرة إطلاقاً، بل كانت تدرس مقدار "الطاعة" و"القسوة"، لتصبح لاحقاً أحد أشهر الأمثلة على ارتكاب أشخاص عاديين أفعالاً بالغة الوحشية، لا يمكن تصورها، حين يُؤمرون بارتكابها في بيئة مختبرية.
ولجأ الباحثون، منذ ذلك الوقت، إلى استخدام نسخ معدّلة وأكثر اعتدالاً من تجربة ميلغرام لدراسة أحد أكثر جوانب الطبيعة البشرية إثارة للقلق وهي: كيف نمتثل لأمر غير أخلاقي، ولماذا نفعل ذلك، وتحت أي ظروف؟
ولا تقتصر النتائج التي توصلوا إليها، والتفاصيل المستقاة من تجارب ميلغرام الأصلية، على تسليط الضوء على بعض أسوأ النزعات البشرية، بل تكشف أيضاً عن رؤى غير متوقعة بشأن العوامل التي قد تساعدنا على مقاومة الطاعة.
"كنا في حالة ذهول شديد"

صدر الصورة، Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
يصعب تصوّر أن يُلحق شخص ضرراً بالغاً بإنسان آخر، ويقتنع معظم الناس بأنهم لن يفعلوا ذلك، وأنهم سيقاومون الفكرة بعدم الانصياع لإجراء تجربة مماثلة لتجربة ميلغرام، وحتى علماء النفس الذين يبحثون في هذا السلوك قد يجدون حدوثه أمام أعينهم أمراً صادماً.
ويقول جيري برغر، الأستاذ الفخري لعلم النفس الاجتماعي في جامعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا: "كان الأمر مذهلاً إلى درجة أدهشتنا، رأينا هؤلاء الأشخاص، الذين بدوا أفراداً طبيعيين تماماً وسعداء ورائعين، يضغطون على تلك الأذرع دون أن يعترضوا".
وفي عام 2009، أجرى برغر نسخة معدّلة من دراسة ميلغرام، أوقف فيها التجربة عند مستوى أقل من الصدمات الكهربائية الوهمية، وكان يتوقع أن تكون نتائجه مماثلة إلى درجة كبيرة لنتائج ميلغرام، بيد أن مشاهدة المشاركين عبر شاشة جعلته وفريقه يشعرون بالذهول مجدداً.
ويقول: "في البداية، كنا في حالة ذهول شديد: لا أستطيع أن أصدق أن هذا الشخص يفعل ذلك".
في دراسة برغر التي أُجريت عام 2009، امتثل 70 في المئة من المشاركين للأوامر حتى نهاية التجربة، وعلى نقيض تجربة ميلغرام، شملت دراسة برغر الرجال والنساء على حد سواء، ولم تكشف عن أي اختلاف جوهري بينهما.
ويقول توماش غرزيب، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة "إس دبليو بي إس" في بولندا، والذي أجرى دراسة لإعادة إجراء التجربة جزئياً في عام 2015: "نحب أن نعتقد أننا أشخاص مستقلون وأخلاقيون، وأننا سنقاوم أي أمر يتعارض مع قيمنا الأخلاقية، لكن الأدلة تشير إلى أنه ينبغي لنا أن نكون أقل يقيناً بكثير من قدرتنا على ذلك، فعندما يتعرض الناس لضغط كاف، وفي سياق اجتماعي مناسب، قد يجدون أنفسهم يرتكبون أفعالاً لا يرغبون في ارتكابها فعلياً".
وفي دراسة غرزيب التي أُعيد فيها إجراء التجربة، والتي استخدمت أيضاً مستويات قصوى من الصدمات الكهربائية أدنى من تلك المعتمدة في دراسة ميلغرام، امتثل 90 في المئة من المشاركين للأوامر حتى نهاية التجربة، ولم يظهر أي اختلاف يُذكر بين الرجال والنساء.
عقب انتهاء التجربة، أجرى أحد علماء النفس حديثاً مع المتطوعين حول تجربتهم، للاطمئنان إلى سلامتهم النفسية، ويقول غرزيب إن إحدى الشابات "انفجرت في بكاء شديد للغاية".
ويضيف أنها قالت، وهي تبكي بالدموع، ما معناه: "أنا هذا الشخص، أفعل ما يطلبه مني الآخرون، ولم أدرك ذلك إلا الآن، بعد مشاركتي في هذه التجربة، ولهذا تسير الأمور في حياتي على النحو الذي تسير عليه".
ما الذي يفسّر هذا المستوى من الطاعة، حتى عندما يتعارض مع قيمنا الأخلاقية الداخلية؟
"عدم الطاعة يجهد الدماغ"

صدر الصورة، Getty Images
تبحث إيميلي كاسبار، أستاذة علم النفس التجريبي في جامعة غنت ببلجيكا، كيفية تأثير الطاعة في نشاط الدماغ البشري، وفي إطار دراساتها، يوجه المتطوعون صدمات كهربائية حقيقية منخفضة الشدة إلى متطوع آخر.
وتستخدم كاسبار وفريقها تقنيات تصوير الدماغ، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، لرصد ما يحدث في دماغ المتطوع عندما يوجه صدمة كهربائية طاعة منه لتنفيذ أمر، ثم لرصد نشاط الدماغ، على نحو منفصل، عندما يوجه صدمة لأنه اختار ذلك بحرية.
وتوضح قائلة: "الصدمات حقيقية، وليست زائفة كما كانت في تجربة ميلغرام، لكنها تُقاس وفقاً لحدود تحمّل الألم لدى الشخص الذي يتلقاها، إنها صدمات حقيقية ومؤلمة، لكنها محتملة بالنسبة إلى الشخص المتلقي".
وخلصت كاسبار وفريقها إلى أن عدداً من العمليات في الدماغ تختلف عندما يمتثل الشخص لأمر، مقارنة بما يحدث عندما يتخذ قراره بحرية.
فعلى سبيل المثال، عندما يوجه الأشخاص الصدمات الكهربائية امتثالاً لأوامر، ينخفض نشاط المناطق في الدماغ المرتبطة بالتعاطف، والشعور بالذنب، والإحساس بالقدرة على التحكم في الأفعال أو تحمّل المسؤولية عنها، مقارنة بما يحدث عندما يوجهون الصدمات بإرادتهم الحرة.
كما أنهم، عندما يتصرفون بناء على أوامر، يعتبرون الصدمات التي يوجهونها أقل إيلاماً، وترى كاسبار أن هذا قد يفسّر كيف تطمس الطاعة الحدود الأخلاقية، وتتيح للأشخاص إيذاء الآخرين.
وتقول كاسبار: "الناس شديدو الطاعة للغاية" في تجاربها، فمن بين نحو 800 متطوع شاركوا في دراساتها التي أُجريت في دول مختلفة، لم يرفض توجيه الصدمات الكهربائية سوى 21 شخصاً، أي ما يعادل 2.6 في المئة، وتتذكر إحدى المشاركين لم يوجه أي صدمة عندما كان الاختيار متروكاً له، لكنه أطاع كاملاً لجميع أوامرها، وتقول: "قال لي عندما بدأت بإصدار الأوامر لي، أصبح الانصياع لها سهلاً للغاية".
وتوضح كاسبار، في إشارة إلى شعور المتطوع بأن الطاعة كانت أسهل من العصيان: "هذا في الواقع أحد العوامل الأساسية المتعلقة بالطاعة"، وتشير إلى أن التعاطف والشعور بالذنب والإحساس بالقدرة على التحكم في الأفعال وتحمل المسؤولية عنها، كلها عمليات في الدماغ تتطلب طاقة، وعندما نطيع الأوامر وتضعف هذه المشاعر، فقد تبدو الطاعة أقل استهلاكاً للجهد من العصيان.
وتفسر: "الدماغ عضو لا يميل إلى استهلاك الكثير من الموارد عندما لا تكون هناك ضرورة لذلك، فالعصيان يستهلك موارد الدماغ أكثر من مجرد الانصياع للأوامر".
وعلى الرغم من اعتقادنا أن بعض السمات الشخصية الفردية، مثل التعاطف، قد تساعدنا على مقاومة الأوامر الشريرة، فإن نتائج الأبحاث تشير إلى صورة مختلفة.
ويقول غرزيب: "المفاجأة أن الشخصية والمزاج ليسا مؤشّرين موثوقين بدرجة كبيرة للتنبؤ بمن سيطيع ومن سيرفض في موقف معين".
وتشير الأبحاث إلى أن التعاطف قد يكون في الواقع سلاحاً من حدين، فقد يتعاطف الأشخاص مع الشخص الذي يصدر أوامر غير أخلاقية، ولا يرغبون في خيبة أمله.
وعلى الرغم من ذلك، تشير دراسات إلى وجود أمر واحد يمكننا القيام به لمساعدتنا على اتخاذ قرارات أخلاقية أفضل، وهو إدراك قوة العوامل الاجتماعية والبيئية التي تؤثر في قراراتنا وفهمها، ليس في المختبرات فحسب، بل في حياتنا اليومية أيضاً.
"من يتحمّل المسؤولية إذا رُفعت علينا دعوى قضائية؟"

صدر الصورة، Getty Images
يسلّط برغر الضوء على أربعة جوانب محددة في تجربة ميلغرام، ولا سيما الكيفية التي صُممت بها ونُفذت، وهي جوانب تساعد على تفسير سبب طاعة هذا العدد الكبير من المشاركين للأوامر.
كان تصميم تجربة ميلغرام بسيطاً، فبمجرد دخول المتطوع إلى المختبر، كان يستقبله "القائم على التجربة"، وهو عالم يرتدي معطفاً مختبرياً، لكنه في الواقع مساعد يتقمص هذا الدور، وكان يُطلب من المتطوع سحب قرعة مُعدّة سلفاً، ثم يُكلَّف بدور "المعلّم" في مهمة لاختبار تعلّم الكلمات والذاكرة، وبعد ذلك، يُطلب منه اختبار "المتعلم"، وهو مساعد آخر يؤدي هذا الدور، يجلس في غرفة منفصلة ويبدو أنه مرتبط بجهاز للصدمات الكهربائية.
كان يُوجه إلى المعلّم أمراً بأن يرسل صدمة كهربائية إلى المتعلم في كل مرة يجيب فيها إجابة خاطئة، وذلك بالضغط على مجموعة من الأزرار.
في الدراسة الأصلية وفي التجارب التي أُعيد إجراؤها، كان القائم على التجربة يتحمّل المسؤولية الكاملة عن كل ما قد يحدث للشخص الذي يتلقى الصدمات.
ويؤكد برغر أن هذا الجانب، المتمثل في تحمّل القائم على التجربة المسؤولية، كان حاسماً.
ويقول برغر: "تُظهر الدراسات التي أُجريت حتى الآن أننا نعلم أن جعل الأشخاص مجهولي الهوية، أو إخبارهم بأن المسؤولية تقع على عاتق شخص آخر، قد يدفعهم إلى الانخراط في سلوكيات بالغة السوء".
وفي دراسة برغر نفسه، التفتت إحدى المشاركات إلى القائم على التجربة وسألته: "لن تُرفع أي دعوى قضائية، أليس كذلك، فأجابها: إذا حدث له أي شيء، فأنا أتحمل المسؤولية، فقالت المرأة: هذا بالضبط ما كنت بحاجة إلى سماعه".
ويقول برغر: "ثم استدارت وضغطت على الأزرار".
وأظهرت دراسات مستقلة أن السلوك عبر الإنترنت يمثل بالفعل تجسيداً معاصراً لتأثير إخفاء الهوية، فوفقاً لمراجعتين بحثيتين نُشرتا في عامي 2023 و2026، يرتبط إخفاء الهوية بالسلوك العدواني عبر الإنترنت.
ويشير برغر إلى ذلك قائلاً: "يقول الناس ويفعلون شتى الأمور المروعة عبر الإنترنت، ولو جلست وجهاً لوجه مع شخص، واضطررت إلى تحمّل عواقب كلماتك، لكان احتمال إقدامك على ذلك أقل، إن إخفاء الهوية يتيح للمرء التنصل من المسؤولية الشخصية".
وفي تجربة ميلغرام، سُئل متطوعون بعد انتهاء التجربة عن الجهة التي تتحمل مسؤولية تعريض شخص آخر للصدمات الكهربائية.
وكان المشاركون الذين أطاعوا الأوامر يميلون إلى إسناد المسؤولية الأساسية إلى القائم على التجربة، في حين كان الذين رفضوا الطاعة يميلون إلى القول إن المسؤولية الأساسية تقع عليهم هم.
كما اختبر ميلغرام ما يحدث عندما يكون الشخص الذي يتلقى الصدمات في الغرفة نفسها التي يوجد فيها المتطوع، في هذه الحالة، لم يمتثل للأوامر حتى نهاية التجربة سوى 40 في المئة من المشاركين.
"هل أنا من الأشخاص الذين يفعلون ذلك؟"

صدر الصورة، Getty Images
يشير برغر إلى عاملين إضافيين، أولهما أن تصميم تجربة ميلغرام وضع المشاركين في موقف لم يسبق لمعظمهم مواجهته، وثانيهما أنهم لم يُمنحوا وقتاً للتفكير في كيفية التصرف، فكلما أبدوا تردداً، كان القائم على التجربة يحثّهم على مواصلة التنفيذ بعبارات من قبيل "ليس لديك خيار آخر، عليك أن تواصل".
ويوضح برغر أننا عندما نواجه ضرورة اتخاذ قرار في موقف غير مألوف، فإننا نميل إلى البحث حولنا عن أشخاص من ذوي الخبرة الأكبر، والاسترشاد بسلوكهم، وفي تجربة ميلغرام، لم يكن هناك في الغرفة شخص آخر سوى القائم على التجربة، الذي صمم على مواصلة التنفيذ، ويرى برغر أن هذا العامل، إلى جانب الوتيرة المتسارعة للتجربة، جعل من الصعب على المتطوعين تكوين قرارات مستقلة.
ويعتقد برغر أنه لو طلب القائم على التجربة من المشاركين التوقف قائلاً "لماذا لا تخصصون عشر دقائق للتفكير فيما ينبغي فعله؟"، لكان من المرجح أن ترتفع نسبة الرافضين للطاعة، ويوضح أن التوقف كان سيتيح للمتطوعين فرصة التأمل وطرح أسئلة على أنفسهم، مثل: "هل هذا صواب أم خطأ؟ وهل أنا من الأشخاص الذين يفعلون شيئاً كهذا؟".
ويضيف برغر أن التصعيد التدريجي لشدة الصدمات الكهربائية كان عاملاً مؤثراً أيضاً، فبحسب قوله، عندما يوافق الشخص على طلب بسيط، تزداد احتمالية موافقته لاحقاً على طلبات أكبر، في ظاهرة تُعرف باسم تأثير "التدرج في الإقناع".
ويقترح برغر أن إحدى وسائل التصدي لهذه التأثيرات في الحياة اليومية تتمثل في التفكير مسبقاً في كيفية التعامل مع المواقف المحتملة، ومحاولة إمهال النفس وقتاً للتأمل والتفكير عند مواجهة موقف غير مألوف.
ويرى غريزب أن ترسيخ بعض العادات الذهنية قد يكون مفيداً، مثل "إيجاد مسافة نفسية تفصلنا عن صاحب السلطة، وإدراك الحالات التي تُنقل فيها المسؤولية بعيداً عنا، والتساؤل عما إذا كانت التعليمات مشروعة، ومنح أنفسنا الحق في التوقف".
بيد أن غريزب يؤكد أن أحد الدروس الجوهرية يتمثل في "ضرورة بناء أنظمة تجعل إساءة استخدام السلطة أمراً أكثر صعوبة"، ويقول: "عندما يُمنح شخص واحد سلطة غير خاضعة للرقابة على شخص آخر، فإن خطر إساءة استخدام هذه السلطة يصبح كبيراً، عاجلاً أم آجلاً".
"يمكننا دائماً اختيار بديل آخر"

صدر الصورة، Getty Images
وثمة مصدر آخر قوي للشجاعة الأخلاقية، يتمثل في مشاهدة الآخرين يتصرفون وفقاً للمبادئ الأخلاقية.
وكانت كاسبار قد أجرت دراسات، خلال عام 1994، على أشخاص ارتكبوا جرائم بالفعل، وشهود لم يتدخلوا، وأشخاص بادروا إلى إنقاذ آخرين.
وتقول كاسبار، استناداً إلى نتائج دراسات فريقها: "وجود نماذج يُحتذى بها خلال مرحلة الطفولة المبكرة يعد أحد العوامل الرئيسية التي تميّز المنقذين عن مرتكبي الإبادة الجماعية".
وتضيف: "على سبيل المثال، من المرجح أن يكون المنقذون قد شاهدوا آباءهم أو أقارب آخرين يقدمون المساعدة إلى أشخاص آخرين".
وتلفت إلى أن امتناع أقلية عن تنفيذ أمر غير أخلاقي، أو مبادرة أفراد إلى إنقاذ الناس خلال إبادة جماعية حقيقية، يكفي لإثبات أن مقاومة الأوامر ممكنة.
وتقول: "المنقذون يذكّروننا بأننا نستطيع دائماً اختيار بديل آخر".
والواقع أن دراسة ميلغرام الأصلية شهدت هي الأخرى حالات من المقاومة وعدم الطاعة.
وقال أحد المتطوعين الرافضين: "لا، هذا ليس صواباً، إنها تجربة مروّعة بحق، فالرجل يعاني هناك، لا، لا أريد مواصلة التجربة، وعندما أُبلغ مشارك آخر قاوم طاعة الأوامر بأنه لا يملك خياراً سوى الاستمرار، رد بحدة: ربما لو كنا في روسيا، لكننا في أمريكا".
أما جو ديمو، الذي كان من المشاركين الرافضين للطاعة في دراسة ميلغرام الأصلية، فقد كتب مقالاً عام 2016 تناول فيه تجربته، وأوضح أن نشأته في أسرة اعتادت التشكيك في السلطة، إلى جانب نشاطه السياسي ومواجهاته الشخصية مع السلطات، ربما أسهمت في تمكينه من مقاومة أوامر المشرف على التجربة.
وكتب: "كانت عندي نظرة غير تقليدية إلى السلطة، ولم يكن من المرجح أن يبهرني مجرد ارتداء معطف المختبر الأبيض".
وتكشف أبحاث كاسبار أيضاً عن أهمية المراحل المفصلية التي يمكننا خلالها اتخاذ خيارات أخلاقية، قبل وقت طويل من مواجهتنا الفعلية لموقف تبدو فيه الطاعة للأوامر الخيار الوحيد المتاح.
وهذا يعالج ثغرة مهمة في دراسة ميلغرام، فقد رأى ميلغرام أن نتائجه قد تسهم في تفسير الطريقة التي انتهت بأشخاص يبدون عاديين إلى ارتكاب فظائع، وخصوصاً كيف تواطأ عدد كبير من الألمان في قتل ملايين اليهود خلال المحرقة النازية، وشاركوا في تنفيذ عمليات القتل.
بيد أن كثيرين لفتوا إلى أن الطاعة العمياء لا تفسّر، حتى من حيث المبدأ، تعقيدات الإبادة الجماعية في الواقع، ففي المحرقة النازية، على سبيل المثال، جرى اضطهاد اليهود على نطاق واسع من دون صدور أوامر مباشرة، وتضمن ممارسات اتسمت بقسوة مفرطة وجشع محض.
وتقول كاسبار: "غالباً يُوصف ارتكاب الإبادة الجماعية بأنه عملية تتألف من مراحل متعاقبة، تشمل التمييز والتصنيف ونزع الصفة الإنسانية عن فئة من الناس، ضمن مسار يتصاعد تدريجياً، وتبرز الطاعة بصورة أكبر في المرحلة الأخيرة، أي مرحلة الإبادة، فهي أشبه بإشارة تحفيزية تقول للناس: يمكنكم الآن المضي قدماً في القتل".
وتشير إلى أن الامتناع عن تصوير جماعة من الناس على أنها شريرة بطبيعتها، وترسيخ الإيمان بـالإنسانية المشتركة، قد يساعدان في التصدي للاضطهاد خلال مراحله المبكرة.
ولعل سطراً من تقارير ميلغرام، ينقل كلمات أحد المتطوعين الرافضين للطاعة، يلخّص الأمر على أفضل وجه: "آسف، لا أستطيع أن أفعل ذلك بإنسان"، ثم أوقف مشاركته في التجربة.




























