أنت تشاهد نسخة نصية فقط من هذا الموقع تستخدم بيانات أقل. شاهد النسخة الرئيسية للموقع التي تتضمن جميع الصور ومقاطع الفيديو.
"مُلطخون بالدماء، مذهولون، وغاضبون": هكذا تحولت رحلة ركاب عبر القطار إلى كارثة في إسبانيا
- Author, بولين كولا
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
كان الوقت يقترب من الساعة الثامنة والنصف صباح يوم الأربعاء، حينما كان قطاران فائقا السرعة يتجهان جنوباً من العاصمة الإسبانية مدريد نحو إشبيلية.
كان أحد القطارين، التابع لشركة "رينفي" المملوكة للدولة، يقل 397 راكباً، بينما كان أمامه على الخط ذاته قطار آخر تابع لشركة "إيريو" الخاصة، وعلى متنه 147 راكباً. وقد أدى خلل في نظام الإشارات الآلي، وهو عطل حاسوبي، إلى توقف جميع القطارات في ذلك الجزء من المسار.
ثم وقع ما لا يمكن تصوره، على حد تعبير وزير النقل الإسباني، إذ صدرت أوامر لقطار "رينفي" بالمضي قدماً، وهو ما تبين لاحقاً أنه كان "خطأً".
ونتيجة لذلك، اصطدم القطار بالجزء الخلفي من القطار الآخر في منطقة تقع بين بلديتي "مورا" و"أورغاز"، على بعد نحو 140 كيلومتراً جنوب مدريد.
كسور في الأنف والذراعين، وقضيب حديدي يخترق السقف
كان بعض الركاب نائمين، بينما بدأ آخرون يوم عملهم باستخدام حواسيبهم المحمولة، في حين انشغل آخرون بتصفح تطبيقات هواتفهم.
قُطع مسار الرحلة بإعلان عن وجود ازدحام على السكك الحديدية؛ استمر هذا الوضع لبضع دقائق، لفترة قصيرة بالنسبة للبعض، وأطول قليلاً بالنسبة لآخرين.
كان تانغي بينيير، البالغ من العمر 22 عاماً، على متن قطار "إيريو" في العربة الأمامية، التي تحمل الرقم ثمانية، بينما كان والده في العربة رقم سبعة.
كان قطارهما واحداً من ستة قطارات صدرت لها أوامر بالتوقف في الساعة الثامنة والنصف. وبعد دقائق قليلة، "بدأ القطار في زيادة سرعته"، حسبما صرح بينيير لبي بي سي، "ثم توقف فجأة".
نظر بينيير من النافذة في حيرة، فرأى "أسلاكاً على الجانب الأيسر وهي تسقط، ثم رأى الكثير من الدخان يتصاعد من الخلف".
أمّا الصحفي الإسباني روبرتو غوميز، فكان يغفو على متن قطار "رينفي" فائق السرعة، الذي توقف على مسافة تزيد عن 25 كيلومتراً من موقع وجود بينيير.
كان توقفاً قصيراً؛ إذ استأنف القطار رحلته بعد دقائق، ثم وقع الحادث.
لم يكن غوميز يعلم أنه في تمام الساعة 08:36، صدرت أوامر لقطاره بمواصلة الرحلة، وبعد نحو 17 دقيقة، وقع ما وصفه وزير النقل الإسباني، أوسكار بوينتي، بأنه "أمر لا يصدق حقاً".
وقال غوميز لإذاعة "أوندا سيرو": "كان الاصطدام مروعاً. لكم أن تتخيلوا، العربة مدمرة بالكامل، والحقائب متناثرة في كل مكان داخل العربة المحطمة".
تعرض غوميز لإصابات طفيفة فقط، لكنه ذكر أن راكباً آخر سقط فوقه وأصيب بجرح عميق في رأسه.
وأضاف: "تمكنا من مساعدة أشخاص تعرضوا لضربات قوية في الصدر والأضلاع".
أما رافائيل بارسيلو، فكان في إحدى العربات الأكثر تضرراً. وتعرض لكدمة على جبينه، يُعدّ من الناجين المحظوظين؛ فقد كان يتناول القهوة لحظة وقوع الحادث، وشعر "باصطدام هائل".
وقال لوكالة "رويترز" للأنباء من موقع الحادث: "لقد طار بنا جميعاً في الهواء. أنا بخير إلى حد ما، أمّا صديقي فحاله أسوأ بكثير".
وقال وهو يبدو عليه الصدمة بوضوح: "كنت مسافراً في العربة السابعة، وهي العربة التي شهدت أكبر عدد من الضحايا وكانت الأكثر تضرراً. لقد أحصيتُ ثمانية ضحايا على الأقل في تلك العربة".
حتى في العربات الأبعد عن نقطة الاصطدام في قطار "رينفي"، "كان كل شيء مدمراً بالكامل؛ فقد انتزعت المقاعد من أماكنها، وتطاير معظم الركاب الذين كانوا يجلسون في اتجاه سير القطار في الهواء"، وذلك وفقاً لما ذكره سلفادور أريزا.
وقال واصفاً المشهد: "كان أمراً وحشياً"، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص "علقوا بين المقاعد".
وبمجرد خروجه، أدرك مدى سوء الوضع.
وأضاف: "ما لفت انتباهي هو اختراق جزء من قضبان السكة الحديدية سقف إحدى العربات، وأعتقد أن ذلك ربما ساهم في إيقاف القطار أو تقليل قوة اندفاعه".
كان سيباستيان هيريرو مسافراً على متن القطار الذي تعرض لاصطدام من الخلف، وقد أدى ذلك "الارتطام المروع للغاية" إلى قذفه نحو المقاعد الأمامية.
وقال: "بعد سقوطنا، كان هناك الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا بكسور في الأنف أو الذراعين، وبدأنا نرى الدخان في كل مكان".
كيف يمكن لهذا أن يحدث؟
بعد انتهاء الصدمة الأولى، ناقش الركاب في العربة التي كان يتواجد فيها "بينيير" ما إذا كان من الآمن الخروج، وذلك بسبب الأسلاك الكهربائية المتناثرة خارج القطار.
وقد قرر البعض الخروج، مدفوعين بالقلق من احتمال وقوع تصادم مع قطار آخر.
قال "بينيير" لبي بي سي: "لم نكن نعلم ما حدث إلّا عندما خطونا إلى الخارج؛ حيث ظهرت أمامنا آثار الكارثة".
وأضاف: "رأينا القطار الآخر خلف قطارنا، وكان قطارنا قد انقلب تماماً، بينما امتلأ جزؤه الخلفي بالحطام".
وتابع: "عندما خرجت من القطار، كنت في حالة صدمة وذهول تام. كان هناك أشخاص في خطر، وكان المشهد قاسياً للغاية؛ إذ رأيت جثثاً وأطرافاً مبتورة".
وقال: "لا أعرف إن كنت سأتمكن يوماً من التعافي من هذه التجربة".
لكنه أشار إلى أن تدفق الأدرينالين دفعه وغيره ممن لم يصابوا بأذى، إلى تقديم المساعدة.
ومن بينهم كان والده، الذي أوضح "بينيير" أنه "تمكن من حمل فتاة ونقلها إلى مكان آمن، رغم إصابته بكسر في مفصل الورك".
لم يمضِ وقت طويل حتى وصل سكان المنطقة القريبة من موقع الحادث، ثم رجال الشرطة وطواقم الإسعاف التابعة للحرس المدني.
وقال "بينيير" : "أعتبر نفسي من أكثر الناس حظاً؛ فأنا محظوظ للغاية، بينما رأيت آخرين لم يحالفهم الحظ، ورأيت معاناتهم عن قرب. أحياناً تسأل نفسك: لماذا أنا؟".
وكانت إسبانيا لا تزال تعاني من آثار كارثة قطار فائق السرعة في منطقة "أداموز" بالقرب من قرطبة، والتي وقعت في يناير/كانون الثاني وأسفرت عن مقتل 46 شخصاً.
وقد وقع الحادث الأخير على خط السكك الحديدية فائق السرعة ذاته، ولكن في موقع أبعد بكثير نحو الجنوب؛ ما أثار تساؤلات عديدة لدى السلطات.
وبدا الغضب واضحاً على الركاب المتضررين.
وقال أحد الركاب: "من غير المعقول أن يتوقف قطارنا لمدة خمس أو عشر دقائق، دون أن يتم إبلاغ القطار الآخر بضرورة التوقف".
وأضاف متسائلاً: "كيف يمكن أن يحدث هذا في ظل ما نمتلكه من تكنولوجيا؟ هذا ليس أمراً طبيعياً. لم يخبرونا بأي شيء. كان ينبغي إبلاغ سائق القطار الآخر؛ فلو تلقى ذلك القطار تحذيراً، لما كانت هناك أي مشكلة. أنا لا أفهم كيف حدث هذا".