بي بي سي تزور مناطق محتلة جنوب لبنان، ومصادر رسمية تؤكد أن إسرائيل توسّع وجودها

    • Author, هيوغو باشيغا
    • Role, مراسل شؤون الشرق الأوسط - جنوب لبنان
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

قيادة السيارة على الطريق السريع بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط جنوب لبنان، وقرب الحدود مع إسرائيل، جميلة وموحشة في هذه الأيام.

المحاصيل الزراعية مهجورة، والمباني المدمرة نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية، التي لا تحصى، تحولت إلى ركام.

بالقرب من بلدة الناقورة، يوجد حاجز تفتيش للجيش اللبناني، جدرانه مطلية بألوان العلم الوطني، الأبيض والأحمر، وهو آخر علامة مرئية على وجود الدولة. يتمركز الجنود خلف جدران خرسانية، لكن الطريق خالٍ. وبعد بضع دقائق إلى الجنوب، تشير مجموعة من نحو اثني عشر راية إسرائيلية إلى بداية الأراضي المحتلة، ولا يمكن لأي شخص الدخول ما لم يكن مصرحاً له من قبل إسرائيل.

هذا الجزء من البلاد هو معقل الطائفة الشيعية الذي يستمد منه حزب الله المدعوم من إيران معظم دعمه. وشهدت مناطقه ثلاث اجتياحات شنها الجيش الإسرائيلي في حروب ضد الحزب خلال العقدين الماضيين. وكان أحدثها في مارس/آذار، بعد أن أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل عقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني، في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

خلال الشهر الماضي، انضم فريق من بي بي سي إلى مهمة إنسانية تابعة لقوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان، المعروفة باسم يونيفيل، وهي إحدى الوسائل القليلة لزيارة المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. هناك، وعلى غرار ما فعلت في غزة، سوّت إسرائيل قرى بأكملها بالأرض، واستمرت الغارات الجوية وعمليات الهدم حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران.

قاد الموكب جنود فنلنديون من قوات اليونيفيل، لمرافقة مدنيين من وإلى قرى مسيحية قرب الحدود. وقد نجت تلك المجتمعات من هجمات إسرائيل وغزوها خلال الحرب، لكنها أصبحت الآن معزولة عن بقية البلاد بعدما أصبحت المناطق المحيطة بها تحت الاحتلال. وسمح الجيش الإسرائيلي بوجودنا من خلال آلية فض الاشتباك (منع التضارب) مع الأمم المتحدة.

يشكل القطاع الذي تسيطر عليه إسرائيل حالياً نحو 5 في المئة من الأراضي اللبنانية، ويمتد في بعض المناطق مسافة 10 كيلومترات من الحدود. وأثناء القيادة بمحاذاة الجدار الفاصل بين البلدين، شاهدنا طرق خدمات أنشأتها إسرائيل بعد الغزو، وحركة مكثفة للجنود الإسرائيليين، ومبانٍ سكنية كانوا يستخدمونها. كان بعضها مغطى بشباك للحماية من مسيّرات حزب الله المتفجرة.

سمعنا أيضاً طائرات إسرائيلية مسيرة للمراقبة في السماء وانفجارات في البعيد، قد تكون ناجمة عن عمليات هدم تنفذها إسرائيل في قرى تقع تحت الاحتلال.

وخلال زيارة جنوب لبنان المحتل الشهر الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنه أصدر تعليمات للجيش بـ"اتخاذ جميع الخطوات اللازمة استعداداً لوجود طويل الأمد في المنطقة". ويقول مسؤولون رسميون إسرائيليون إنّ هدفهم هو إقامة ما يصفونه بـ"منطقة أمنية" لحماية المجتمعات في شمال إسرائيل من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي كان يطلقها حزب الله من جنوب لبنان، ومن احتمال غزو بري.

وبحسب يونيفيل، أنشأ الجيش الإسرائيلي أربع قواعد جديدة في مناطق جرى غزوها، ما يرفع عدد هذه المواقع إلى تسعة. وأبقى الجيش الإسرائيلي قواته في خمس نقاط بعد اجتياح جنوب لبنان في الحرب السابقة ضد حزب الله عام 2024، في انتهاك للاتفاق الذي أنهى ذلك النزاع.

وقالت المتحدثة باسم يونيفيل كانديس أردييل: "خلال الأشهر الماضية، شهدنا تعزيزاً وتحصيناً للمواقع الإسرائيلية، وإنشاء بنى تحتية وقائية، وأعمالاً هندسية أخرى". وأضافت: "كما لاحظنا أشخاصاً يبدو أنهم أفراد مدنيون إسرائيليون ينفذون أنشطة هدم وأعمالاً هندسية دعماً للأنشطة العسكرية في جنوب لبنان".

وتقول منظمات تعنى بحقوق الإنسان إنّ بعض الإجراءات الإسرائيلية في جنوب لبنان ترقى إلى التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية، وهو ما قد يشكل جريمة حرب. ولا يزال مئات الآلاف من اللبنانيين نازحين، دون معرفة متى، أو ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة.

وقال الجيش الإسرائيلي رداً على أسئلتنا، إنّ المباني التي دُمّرت كانت مستخدمة من حزب الله لأغراض عسكرية، وإنه يعمل وفق القانون الدولي. ولم يجب على أسئلة محددة أخرى بشأن أنشطته في المناطق المحتلة.

في يونيو/حزيران، أعلنت الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً أولياً يهدف إلى إنهاء النزاع بينهما، وتضمن وقف أعمال العنف في لبنان. ومنذ ذلك الحين، قال لي مسؤول استخباراتي لبناني إن الجيش اللبناني سجل أكثر من خمسة آلاف انتهاك للاتفاق من جانب إسرائيل، من بينها غارات جوية وهجمات بطائرات مسيّرة وقصف وتوغلات شبه يومية لجنود إسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية خارج المنطقة الواقعة تحت الاحتلال، المعروفة باسم الخط الأصفر.

وكما يفعل في غزة، يبرر الجيش الإسرائيلي بعض هجماته في لبنان بأنها عمليات ضد ما يصفه بأنه تهديدات فورية. لكن في كثير من الحالات، ليس واضحاً مدى فورية هذه التهديدات المزعومة أو ما إذا كان هناك أي تهديد. وحزب الله، المصنف لدى دول من بينها بريطانيا والولايات المتحدة على أنه منظمة إرهابية، لم ينفذ هجمات ضد إسرائيل منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لكنه استهدف قوات إسرائيلية كانت تعمل داخل الأراضي اللبنانية.

وقال المسؤول اللبناني في الاستخبارات: "إنهم (الإسرائيليون) يوسعون وجودهم (في لبنان). ويشعلون النيران في مناطق ويهدمون منازل بينما يستمر القصف، رغم وقف إطلاق النار. من الواضح أنهم لا يريدون لأحد أن يعود (إلى تلك القرى) خلال العام المقبل، أو حتى خلال أعوام. الأمر لا يتعلق فقط بحزب الله. بل يتعلق بمنع الناس من العودة".

وربط مسؤولون إسرائيليون شرط الانسحاب من لبنان بنزع سلاح حزب الله، وهو ما لا تستطيع الحكومة اللبنانية تحقيقه دون موافقة الحزب. ويقول مراقبون إن حزب الله لا يزال قوة عسكرية كبيرة رغم الانتكاسات التي تعرض لها في الحروب الأخيرة. وأجرت الدولتان (لبنان وإسرائيل) محادثات مباشرة أسفرت عن اتفاق إطار بوساطة أمريكية: تنسحب إسرائيل من مناطق معينة، أُطلق عليها اسم "المناطق التجريبية"، حيث يُنشر جنود من الجيش اللبناني ويجري التحقق من نزع سلاح حزب الله.

ويعارض حزب الله هذه الجهود، وقد وصفها زعيمه نعيم قاسم الأسبوع الماضي بأنها "استسلام مع إذلال"، ويقول إن أي نقاش حول أسلحته يجب أن يدور فقط بعد انسحاب إسرائيلي كامل. ومن جهتها زعمت إسرائيل أن الجيش اللبناني، الذي يرفض استخدام القوة ضد الحزب قائلاً إن ذلك قد يضع اللبنانيين في مواجهة اللبنانيين، لم يفعل ما يكفي.

ولم يشهد هذا المسار أي تقدم، ولا توجد توقعات بحدوث أي تغيير مهم قبل الانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر/تشرين الأول.

وأخبرني دبلوماسي أوروبي مطلع على الوضع: "يبدو أن فكرة 'المناطق التجريبية' ماتت إلى أن يتغير السياق. ويبدو أننا نتجه نحو وضع شبيه بغزة. الإسرائيليون يرسخون مواقعهم... وهم باقون هنا، في الوقت الحالي".